تتجلّى أخلاقيات الدول في أوقات المحن والكوارث، وهو ما أثبته المغرب مراراً تجاه جيرانه في الضفة الشمالية. فكلما ألمّت بإسبانيا أزمة مناخية أو أمنية، كانت الرباط أول المسارعين لتقديم الدعم الميداني، عبر إرسال الآليات وفرق الإغاثة وتوفير المعلومات الاستخباراتية الحيوية. غير أن هذا الموقف الإنساني والنبيلي غالباً ما يصطدم بواقع مرير تنتهكه السلطات الإسبانية في التعامل مع المهاجرين والعمال المغاربة.
لم يتردد المغرب في تسخير إمكانياته اللوجستية والبشرية لمساعدة المدن الإسبانية المتضررة من الكوارث الطبيعية، كما حدث خلال فيضانات فالنسيا (عاصفة دانا)، حين شوهدت الشاحنات وفرق الإنقاذ المغربية تعمل جنباً إلى جنب لفتح الطرقات وشفط المياه في قلب المناطق المنكوبة. يضاف إلى ذلك الدور المحوري الذي تلعبه الأجهزة المغربية حماية للأمن القومي الإسباني من المخاطر الإرهابية وجرائم التسلل.
لكن خلف شاشات الثناء الدبلوماسي الرسمي، تعكس واقعة المعاملة الميدانية للمهاجرين صورة مغايرة تماماً. تتكرر التقارير التي ترصد انتهاكات المعاملة في مراكز الاحتجاز الإسبانية، وسوء المعاملة على الحدود، إلى جانب تصاعد الخطاب العنصري والتضييق القانوني والأمني على العمال والمهاجرين المغاربة الذين يساهمون بعرقهم في بناء الاقتصاد الإسباني.
عوض أن تُترجم المساعدات المغربية إلى حماية حقوق الجالية المغربية وضمان كرامة المهاجرين، تستمر بعض القوى السياسية والأجهزة الأمنية الإسبانية في استخدام ورقة الهجرة كأداة للضغط السياسي والمزايدات الداخلية، مع التركيز على التضييق على القاصرين والعمال الموسميين.
إن المقاربة الإنسانية لا تجتزأ؛ فاليد التي تتلقى الدعم والإغاثة من المغرب في أوقات الشدة، حريٌّ بها أن تصون كرامة أبنائه ومواطنيه المقيمين على أرضها، بدلاً من مقابلتها بالتهميش وسوء المعاملة.


