لم تعد المسألة، في نظر عدد من الأسر الطنجاوية، مرتبطة فقط بالقهوة أو السيارات أو الموضة أو أسلوب الجلوس داخل بعض المقاهي، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر حساسية: أين ينتهي الحق في التعبير عن الحرية الشخصية، وأين يبدأ احترام الحياء والذوق العام؟
في بعض المقاهي المعروفة بمدينة طنجة، والتي تستقطب الجالية المغربية والسياح والزوار من مختلف المدن والدول، باتت بعض المشاهد تثير استغراب أسر مغربية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوجود الأب والأم والأبناء والبنات في فضاء يفترض أن يكون مناسباً للعائلات.
فبعض المشاهد، من لباس أو تصرفات أو استعراض للأجساد، يرى فيها مواطنون أنها تتجاوز حدود ما اعتاد عليه المجتمع المغربي من تحفظ وحياء، وتضع الأسرة أمام مواقف محرجة، خصوصاً عندما يكون برفقتها أطفال ومراهقون.
المشكلة، كما يقول منتقدون لهذه الظاهرة، ليست في اختلاف الأذواق ولا في الانفتاح الذي تعرفه طنجة، ولا في حق أي شخص في اختيار لباسه أو أسلوب حياته، وإنما في تحول بعض الفضاءات العمومية إلى أماكن تُفرض فيها مظاهر قد يعتبرها جزء من المجتمع المغربي دخيلة على ثقافته وقيمه.
وفي الوقت نفسه، لم يعد الاستعراض مقتصراً على اللباس، هناك من يأتي بسيارته الفاخرة ليجذب الأنظار، وآخر يستعرض عضلاته، وآخر يجعل من مظهره وملابسه محور حضوره، فيما تتحول بعض الجلسات إلى ما يشبه عرضاً مفتوحاً للسيارات والأجساد والموضة والمظاهر الاجتماعية.
واللافت أن بعض هذه المقاهي أصبحت معروفة ليس فقط وطنياً، وإنما لدى أفراد الجالية والسياح والزوار الأجانب، وهو ما يجعل المشهد أكثر ارتباطاً بصورة طنجة أمام زوارها.
طنجة مدينة منفتحة وعالمية، وهذه نقطة قوة وليست نقطة ضعف. لكن الانفتاح لا يعني بالضرورة التخلي عن الخصوصية الثقافية، كما أن الحداثة لا تعني إلغاء مفهوم الحياء والاحترام المتبادل داخل الفضاءات المشتركة.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: من يلبس ماذا؟ ومن يملك أي سيارة؟ وإنما: هل تحولت بعض المقاهي من أماكن للراحة واللقاء إلى منصات اجتماعية للاستعراض؟
وهل أصبح بعض روادها يبحثون عن نظرات الآخرين أكثر مما يبحثون عن فنجان قهوة وجلسة هادئة؟
المطلوب ليس العودة إلى الانغلاق، ولا فرض نمط واحد على المجتمع، وإنما الحفاظ على التوازن بين الحرية الشخصية واحترام الذوق العام والحياء ومشاعر الأسر.
فمن حق طنجة أن تكون مدينة عالمية، ومن حق أبنائها أن يعيشوا الحداثة والانفتاح، لكن من حق الأسرة المغربية أيضاً أن تجد فضاءات عمومية تستطيع الجلوس فيها رفقة أبنائها دون أن تضطر إلى تجنب بعض المشاهد التي تعتبرها محرجة أو خادشة للحياء.
هل ما نراه في بعض مقاهي طنجة تعبير عن مدينة عالمية ومنفتحة، أم أن بعض مظاهر الاستعراض بدأت تتجاوز حدود الانفتاح لتصطدم بقيم مجتمع ما زال يعتبر الحياء جزءاً من هويته؟


