طنجة-تطوان-الحسيمة ترسخ مكانتها كواحدة من أكثر المجالات الترابية دينامية بالمملكة، متحولةً بخطى ثابتة من مجرد قطب لوجستي وصناعي يعتمد على البنيات التحتية الكبرى إلى عاصمة وطنية صاعدة لريادة الأعمال والمبادرة الحرّة.
تفيد أحدث البيانات الإحصائية الصادرة عن المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية (OMPIC) والتقارير الدورية للمركز الجهوي للاستثمار، بأن الشمال المغربي بات يحتل المراتب الأولى على الصعيد الوطني في معدلات إحداث المقاولات الجديدة والترخيص للمشاريع الاستثمارية الواعدة.
ولم تعد هذه الدينامية تقتصر على الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات المستقرة بالمناطق الحرة، بل امتدت لتشمل نسيجاً متنامياً من المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الناشئة (Startups) التي يطلقها كفاءات وشباب المنطقة في مجالات اللوجستيك، التكنولوجيا، الخدمات المبتكرة، والصناعات التحويلية.
ويعزو خبراء الاقتصاد هذه الطفرة المقاولاتية إلى جملة من العوامل المتكاملة:
التكامل اللوجستي: وجود مركب ميناء طنجة المتوسط وشبكة الربط السككي والطرق السيار، مما يوفر بيئة مثالية لربط المقاولات بالأسواق الدولية والوطنية.
نجاعة الشباك الموحد: تبسيط المساطر الإدارية وتسريع معالجة ملفات الاستثمار عبر المراكز الجهوية، مما خفض الزمن الإداري لتأسيس المقاولات.
جاذبية العرض الترابي: توفير مناطق أنشطة اقتصادية وصناعية حديثة تستجيب لاحتياجات مختلف أشكال المقاولات.
ولا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند حدود القراءة الاقتصادية، بل تمتد لتصنع أثراً اجتماعياً ملموساً. فإحداث آلاف المقاولات سنوياً يسهم بشكل مباشر في امتصاص البطالة بين أوساط الشباب وحملة الشهادات، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الشغيلة المحلية للاندماج في الدورة الاقتصادية.
إن المشهد الاقتصادي بالجهة الشمالية يقدم اليوم نموذجاً ناجحاً لكيفية تحويل الاستثمارات العمومية الكبرى في البنيات التحتية إلى رافعة حقيقية لتحفيز القطاع الخاص والابتكار. ويبقى الرهان مستقبلاً معقوداً على استدامة هذا النمو، وتوسيع برامج المواكبة والتمويل لتثبيت هذه المقاولات الناشئة وضمان استمراريتها في السوق الوطنية والدولية.


