أسدل الستار، مساء الأربعاء 23 شتنبر، على الانتخابات التشريعية، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة تتجاوز نتائج صناديق الاقتراع إلى ما ستفرزه من تحالفات حكومية، وبرامج تنفيذية، وانتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة.
وأظهرت النتائج المؤقتة تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً من أصل 395، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً، والحركة الشعبية على 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً، والاتحاد الدستوري على 17 مقعداً، بينما توزعت باقي المقاعد على أحزاب أخرى. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.08 في المائة.
وتكشف هذه الخريطة أن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون مهمة حزب واحد، إذ لا يتوفر أي حزب على الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب، المحددة في 198 مقعداً. وبالحسابات الحالية، يمكن لعدة تركيبات حزبية أن تؤمن الأغلبية، من بينها جمع مقاعد الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، والتي تصل إلى 228 مقعداً. غير أن الحساب العددي لا يحسم وحده شكل الحكومة، فذلك مرتبط بالمشاورات السياسية وما ستفرزه من تفاهمات حول البرنامج والأولويات وتوزيع المسؤوليات.
المرحلة المقبلة ستكون، لذلك، اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب على الانتقال من منطق الحملة الانتخابية إلى منطق التدبير. فقد قُدمت خلال الأسابيع الماضية وعود وبرامج تهم التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والسكن، والحماية الاجتماعية، ودعم الشباب والاستثمار. والآن، بعد إعلان النتائج، سيبدأ المواطن في انتظار ترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات وقرارات يمكن قياس نتائجها.
فالمعيار لن يكون عدد الوعود التي قُدمت، وإنما مدى تنفيذها. وسيكون من المشروع أن يسأل المواطن، بعد مرور الوقت: ما الذي تحقق؟ ما هي الآجال؟ وما هي النتائج؟ وهل انعكست السياسات العمومية على الحياة اليومية؟
وهنا تبرز مسؤولية البرلمان باعتباره المؤسسة التي ستحتضن الأغلبية والمعارضة معاً. فالنائب المنتخب لا يقتصر دوره على التصويت على القوانين، بل يشارك في التشريع ويراقب العمل الحكومي ويدافع عن القضايا التي يعتبرها ذات أولوية بالنسبة للمواطنين.
ومن هذه الزاوية، فإن الفوز بمقعد برلماني ينبغي أن يُفهم باعتباره تكليفاً قبل أن يكون تشريفاً. فالمقعد ليس مكافأة سياسية، وإنما ثقة مؤقتة يمنحها الناخب لممثله داخل المؤسسة التشريعية. وقيمة هذه الثقة ستظهر في الأداء، وفي الحضور، وفي المبادرات، وفي القدرة على مساءلة الحكومة، وليس في لحظة الفوز وحدها.
كما أن المسؤولية لا تقع على النواب وحدهم. فالحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتحويل برنامجها إلى أهداف واضحة، وربطها بآجال وموارد ونتائج قابلة للتقييم. وسيكون عليها التعامل مع ملفات ذات أولوية، من التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية إلى الاستثمار والماء والاستعداد للاستحقاقات والمشاريع الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة.
أما المعارضة، فسيكون دورها أساسياً في مراقبة الأداء الحكومي وتقديم البدائل، بعيداً عن الاكتفاء بالمواقف السياسية أو الانتقادات العامة. ففعالية المؤسسة التشريعية تقاس أيضاً بقدرتها على إنتاج نقاش جدي حول السياسات العمومية ومردوديتها.
وبين الحكومة والبرلمان والأغلبية والمعارضة، يبقى المواطن الطرف الذي ينتظر النتائج. فهو لا يتابع فقط أسماء الوزراء أو تركيبة التحالفات، بل يريد أن يرى أثراً مباشراً للسياسات في فرص الشغل، والخدمات الصحية، والتعليم، والنقل، والسكن والقدرة الشرائية.
لذلك، فإن انتهاء الانتخابات لا يمثل نهاية المسار، وإنما بداية مرحلة مختلفة تماماً. مرحلة تتراجع فيها أهمية الخطاب الانتخابي أمام أرقام التنفيذ ومؤشرات الأداء.
قد يكون الفوز بالمقعد البرلماني لحظة سياسية مهمة لصاحبه، لكن القيمة الحقيقية لهذا الفوز ستحددها السنوات التي تليه.
فالانتخاب يمنح الثقة، والبرلمان يمنح المسؤولية، والإنجاز وحده هو الذي يمنح هذه الثقة معناها


