جدد باحثون ومتخصصون في السياسات العمومية والدراسات التربوية دعوتهم إلى ضرورة مراجعة الإطار القانوني والتنفيذي المنظم للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، عبر منحها صلاحيات أوسع واختصاصات تقريرية أكثر فعالية. ويأتي هذا التوجه في ظل القناعة المتزايدة بأن إصلاح منظومة التعليم وتحسين جودة التعلمات يمران حتماً عبر ترسيخ خيار “التدبير الترابي والقرب” وتجاوز النمط المركز في اتخاذ القرار.
وأبرز الباحثون، خلال ندوات وأوراق تحليليّة حديثة تناولت حكامة المنظومة التعليمية، أن تعزيز اللامركزية واللاتمركز الإداري لم يعد مجرد خيار تنظيمي، بل هو ضامن أساسي لملاءمة السياسات التعليمية مع الخصوصيات والمؤهلات الجهوية.
وأشارت القراءات البحثية إلى أن الأكاديميات الجهوية، رغم تمتعها بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي بموجب القوانين المؤطرة، لا تزال تواجه قيوداً هيكلية تحد من قدرتها على المبادرة وتطوير حلول محلية ومبتكرة. وترتكز المطالب على ضرورة نقل صلاحيات حقيقية تشمل:
تخطي الهامش المحدود في ملاءمة المناهج: منح الأكاديميات مرونة أكبر في إغناء البرامج الدراسية والأنشطة الموازية بما يراعي الرهانات الاقتصادية والثقافية لكل جهة.
مرونة تدبير الموارد البشرية والمالية: تطوير آليات التوظيف والتدريب الجهوي، ووضع ميزانيات استثمارية استراتيجية تتناسب مع طبيعة العجز المتفاوت بين المناطق.
سرعة اتخاذ القرار: تقليص التبعية للسرعة التقريرية للمركز فيما يخص إحداث المؤسسات التعليمية، صيانة البنيات التحتية، وتجهيز الوسائل التعليمية و التكنولوجية .
ويرى الخبراء أن توسيع صلاحيات المؤسسات الجهوية للتربية والتكوين يسهم بشكل مباشر في تحقيق “العدالة المجالية”، إذ يتيح للجهات الاستجابة السريعة للإكراهات الخاصة بالوسط القروي والمناطق النائية، وتخفيف حدة الفوارق في النسب وتراكم الانقطاع المدرسي.
كما شددت التوصيات الصادرة في هذا السياق على أن نجاح هذا التوجه يقتضي بالضرورة تفعيل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز أجهزة التقييم والمراقبة الجهوية لضمان حكامة شفافة تركز على قياس أثر القرارات المتخذة على مستوى جودة التعلمات في الفصول الدراسية.
ويتفق المهتمون بالشأن التربوي على أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من تدبير قطاع التعليم يستلزم إرادة قوية لإعادة توزيع الأدوار بين الإدارة المركزية والفاعلين الجهويين؛ بحيث يتفرغ المركز لوضع الاستراتيجيات الكبرى، والمشاريع التشريعية، والمعايير الوطنية للتقييم، وتُترك للأكاديميات الجهوية سلطة الأجرأة والتنفيذ والابتكار الترابي.


