سلط أحدث تقرير صادر عن وزارة الاقتصاد والمالية الضوء على إحدى أبرز المفارقات التي تطبع المشهد الاقتصادي الوطني خلال المرحلة الراهنة؛ والمتمثلة في وجود فجوة واضحة بين تحسن أداء المؤشرات الماكرواقتصادية وعودة منحنى النمو إلى السكة الإيجابية، وبين استمرار معدلات البطالة في مستويات مرتفعة تضغط على سوق الشغل.
هذه الظاهرة، التي توصف في الأوساط الاقتصادية بـ “النمو غير الخالق لفرص الشغل الكافية”، تضع الفاعلين الاقتصاديين وصناع القرار أمام تحدي إعادة هيكلة السياسات العمومية الموجهة للتشغيل والاستثمار.
وفقاً للمعطيات التي تضمنها التقرير الدوري للوزارة، استطاع الاقتصاد الوطني إبداء قدرة على الصمود مستفيداً من ديناميكية بعض القطاعات غير الفلاحية، إضافة إلى الانتعاش التدريجي للتجارة الخارجية والخدمات والصناعات الموجهة للتصدير، مما انعكس إيجاباً على الناتج المحلي الإجمالي.
غير أن هذه الديناميكية الرقمية لم تتطابق على نحو موازٍ مع واقع الانتعاش الاجتماعي، حيث واصلت أرقام البطالة تسجيل نسب مقلقة، سيما في أوساط الشباب وحاملي الشهادات. ويعود هذا التباين، بحسب القراءة التحليلية للوثيقة المالية، إلى عوامل بنيوية وتأثيرات مناخية متراكمة أثرت بشكل مباشر على القطاع الفلاحي—المشغّل الكلاسيكي الأكبر في الوسط القروي.
توقف التقرير عند عدة أسباب تفسر حالة “الفصل” بين أرباح الشركات ونمو القطاعات وبين وتيرة إحداث فرص الشغل:
انكماش التشغيل في القطاع الفلاحي: أدت توالي سنوات الجفاف وشح المياه إلى فقدان عدد هام من مناصب الشغل غير المأجورة في العالم القروي، وهو ما أثر سلباً على حصيلة الشغل الإجمالية.
طبيعة النمو الماكرواقتصادي: يعتمد قسم كبير من القيمة المضافة المحققة في الوقت الراهن على قطاعات رأسأمالية متطورة تكنولوجياً ذات كثافة عمالية محدودة، في مقابل بطء تعافي القطاعات الأكثر استيعاباً لليد العاملة.
التحولات الهيكلية لسوق الشغل: التباين الحاصل بين متطلبات القطاعات الاقتصادية الحديثة الموجهة للابتكار وبين مؤهلات وطبيعة التكوين لدى فئات واسعة من الباحثين عن عمل.
وأكد التقرير أن تجاوز هذه المفارقة يتطلب الانتقال من سياسات الدعم المباشر المؤقت إلى تحفيز الاستثمار الإنتاجي الخالق للفرص المستدامة. ويرى خبراء اقتصاديون أن الرهان الحالي يتجلى في تفعيل نجاعة ميثاق الاستثمار الجديد، وتوجيه التحفيزات نحو المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكل النسيج الأساسي للدورة الاقتصادية.
وتتجه الأنظار نحو الإجراءات المرتقبة لملاءمة برامج التكوين مع حاجيات السوق، ودعم حكامة التدبير الترابي لمشاريع التشغيل، بغية ضمان ألا يظل النمو مجرد مؤشر تحليلي في تقارير “المالية”، بل واقعاً ملموساً ينعكس على الحياة اليومية للمواطنين.


