لم تكن طنجة مجرد مدينة تحتضن المباني والشوارع، بل كانت فضاءً معمارياً تنبض تفاصيله بالفن والجمال، وتختزل واجهاته حكايات من التاريخ والأصالة. فقد تميزت أحياؤها القديمة بطابع معماري أنيق، امتزجت فيه اللمسات الأندلسية بالتأثيرات المتوسطية، من خلال الشرفات المزخرفة، والنوافذ المتناسقة، والزخارف الجبسية، والأقواس والتفاصيل الفنية التي منحت المباني شخصية متفردة وهوية يصعب تقليدها.
كانت تلك العمارة تعكس ذوقاً فنياً راقياً، حيث لم يكن البناء مجرد جدران وسقف، بل عملاً إبداعياً تحضر فيه أدق التفاصيل، وتتحول فيه الواجهات إلى لوحات فنية تضفي على شوارع المدينة سحراً خاصاً.
لكن المشهد المعماري بطنجة يشهد اليوم تحولات تطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل هويتها العمرانية. فبالمقابل مع تلك المباني التي كانت تجمع بين الأناقة والأصالة، بدأت تظهر بنايات سكنية حديثة بواجهات بيضاء متشابهة، ونوافذ صغيرة ومتكررة، وتصاميم هندسية جامدة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى اللمسة الجمالية والخصوصية المعمارية.
وباتت بعض هذه البنايات، بسبب شكلها الخارجي وطريقة توزيع نوافذها، تثير انتقادات وتشبيهات لدى عدد من المواطنين، الذين يرون فيها أقرب إلى المؤسسات السجنية منها إلى فضاءات سكنية يفترض أن توفر الراحة والجمال والانسجام البصري.
ولا يتعلق الأمر برفض الحداثة أو التطور العمراني، فطنجة مدينة تتوسع وتتجدد، ومن الطبيعي أن تواكب التحولات الهندسية والتقنية الحديثة، غير أن الإشكال يكمن في غياب التوازن بين متطلبات البناء المعاصر والحفاظ على الخصوصية الجمالية التي ميزت المدينة لعقود.
فهل أصبح التوسع العمراني يقاس بعدد الطوابق والمساحات فقط، دون اعتبار للذوق الفني والانسجام مع المحيط؟ وأين اختفت تلك الروح الإبداعية التي جعلت من واجهات المباني القديمة جزءاً من ذاكرة طنجة وجاذبيتها؟
إن الحفاظ على هوية المدينة لا يعني تجميدها في الماضي، بل تطويرها دون محو ملامحها، والانتقال نحو عمران حديث يحترم الجمال والوظيفة معاً. فطنجة التي كانت عمارتها تحكي تاريخاً من الفن والأصالة، تستحق أن يكون مستقبلها العمراني امتداداً لجمال ماضيها، لا قطيعة معه.


