أعادت الفيضانات التي عرفتها مدينة آسفي، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية مؤلمة، تسليط الضوء مجدداً على اختلالات التعمير وتدبير المجال، خصوصاً إشكالية البناء فوق المجاري المائية أو طمرها، وهو ملف ظل مؤجلاً في عدد من المدن المغربية، من بينها طنجة وضواحيها.
ووفق معطيات متداولة محلياً، فقد أثارت هذه التطورات مخاوف متزايدة في أوساط منعشين عقاريين وفاعلين محليين بطنجة وجماعة اكزناية، في ظل وجود بنايات شُيدت فوق أو بمحاذاة مجاري مائية قديمة، جرى تغطيتها أو تغيير مسارها دون توضيحات رسمية كافية بشأن مدى احترام معايير السلامة.
ولا تقتصر هذه الإشكالات على اكزناية وحدها، بل تمتد إلى عدد من أحياء طنجة، حيث شُيدت عمارات كبرى قرب أودية مغطاة أو ملغاة، ما يثير قلق الساكنة من مخاطر محتملة في حال تسجيل تساقطات مطرية قوية أو فيضانات مفاجئة.
وتعيد فاجعة آسفي إلى الأذهان تحذيرات خبراء تؤكد أن المياه، مهما تم التحكم في مسارها، تعود في النهاية إلى مجراها الطبيعي، وهو ما يجعل أي تدخل غير مدروس في المجاري المائية خطراً قائماً قد تظهر تبعاته في أي لحظة، خاصة مع تصاعد آثار التغيرات المناخية.
في هذا السياق، تتزايد التكهنات حول إمكانية تعميم التحقيقات والافتحاصات التقنية لتشمل مشاريع عقارية كبرى بطنجة، وهو ما خلق حالة من الترقب والحذر لدى بعض الفاعلين في القطاع العقاري، خشية إعادة فتح هذا الملف بعد سنوات من الجمود.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن المرحلة الحالية تستدعي نقاشاً عمومياً مسؤولاً حول واقع التعمير، مع إخضاع المشاريع المنجزة والمبرمجة لافتحاص تقني دقيق يحدد وضعية المجاري المائية القديمة ويقيم مستوى المخاطر المرتبطة بها.
كما تتعالى أصوات تطالب بتسريع إخراج تصاميم تهيئة واضحة وشفافة، تحترم القوانين وتوازن بين التنمية والسلامة، تفادياً لتحول مدن كبرى مثل طنجة إلى مسرح لسيناريوهات مأساوية مماثلة لتلك التي كشفت عنها فاجعة آسفي ودقّت ناقوس الخطر بشأن كلفة التوسع العمراني غير المحسوب.

