تتجه أنظار المتتبعين للشأن العام والرقابي إلى التحركات الأخيرة التي يقودها قضاة المجلس الأعلى للحسابات، عقب تقارير ورصد ميداني يستهدف تدقيق الصفقات العمومية في مجموعة من القطاعات والمؤسسات، بعد تزايد المؤشرات حول هيمنة شبكات نفوذ ذات طابع عائلي وشخصي على طلبيات العروض ومشاريع التنمية.
وتشير معطيات متقاطعة إلى أن العديد من الصفقات العمومية، خاصة على المستوى المحلي والجهوي، ظلت لسنوات تدور في أفكاك شركات ومؤسسات ترتبط بعلاقات مصالح وقرابة عائلية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول مدى احترام قواعد المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.
ويرى خبراء في الحكامة والمالية العمومية أن هذا النمط من الاحتكار لا يمس فقط بمبدأ الشفافية والنزاهة، بل يؤثر بشكل مباشر على جودة الإنجاز وكلفة المشروعات المنجزة بتمويل من المال العام، حيث يتحول التدبير إلى ممارسات مغلقة تجنب الشركات المحظوظة المساءلة الدقيقة.
أمام هذا الوضع، أطلقت المحاكم المالية جولات تفقدية وتدقيقية مكثفة للنبش في سجلات الصفقات والمساطر المتبعة في إسنادها. ويركز قضاة الحسابات في تحرياتهم على:
دفاتر الشروط الخاصة: للتحقق من مدى صياغتها على مقاس شركات بعينها.
تضارب المصالح: تتبع الشبهات المرتبطة بوجود علاقات قرابة بين آمري الصرف والمستفيدين من الصفقات.
مسار طلبات العروض: مراجعة معايير الانتقاء والتقييم الفني والمالي لضمان غياب التواطؤ.
تأتي هذه التحركات في سياق تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز آليات حماية المال العام من أي استغلال أو تجاوز. ومن المتوقع أن تسفر هذه عمليات التدقيق عن إصدار تقارير تفصيلية تتضمن توصيات حاسمة، مع إحالة الملفات التي تنطوي على شبهات جنائية أو خروقات جسيمة على القضاء المختص.
يبقى الرهان الأساسي اليوم مرتكناً إلى مدى قدرة الأجهزة الرقابية على فرض واقع جديد يعيد الثقة للمرفق العام وللاستثمار الاقتصادي قائم على الكفاءة والشفافية بعيداً عن منطق المحسوبية وشبكات النفوذ.


