تتزايد المؤشرات الدالة على حجم الضغوط المالية التي تواجه الفئات المتوسطة والهشة بالمغرب، حيث كشفت أحدث المعطيات المالية عن ارتفاع لافت في حجم القروض غير المستردة من طرف الأسر لصالح المؤسسات البنكية، مسجلة رقماً قياسياً ناهز 4470 مليار سنتيم (أكثر من 44.7 مليار درهم).
ويعكس هذا الرقم المتسامي حجم الصعوبات المعيشية التي تترجمها تعثرات متتالية في سداد المستحقات الشهرية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول حدود القدرة الاستيعابية لميزانيات العائلات أمام تقلبات الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
تأتي هذه التعثرات المالية في ظل سياق اقتصادي يتسم بمركّب من التحديات؛ أبرزها استمرار موجات التضخم التي أنهكت الميزانيات الاحتياطية للعائلات، ودَفَعَت شريحة واسعة منها إلى الاعتماد المكثف على القروض الاستهلاكية والاحتياجات اليومية لتغطية الفوارق بين الدخل والمصاريف.
ويرى محللون اقتصاديون أن تراكم هذه الديون المتعثرة لا يعود فقط إلى سوء التدبير المالي الفردي، بل هو نتيجة مباشرة لتراجع الدخل الفعلي للفرد أمام الارتفاع المتواصل في كلفة السكن، التعليم، والمواد الأساسية، ما جعل الأسر تطبق أولويات إنفاق صارمة تضع سداد الديون البنكية في مراتب متأخرة مقارنة بتوفير المستلزمات المعيشية الضرورية.
من الجانب المصرفي، تفرض هذه الأرقام تحديات إضافية على النظام البنكي المغربي، الذي يجد نفسه ملزماً بالرفع من حجم المخصصات المالية لمواجهة مخاطر الديون المشكوك في استردادها، مما يتطلب توازناً دقيقاً بين المرونة مع الزبناء والحفاظ على السلامة المالية للقطاع.
كما تُبدي القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالاستهلاك الداخلي تخوفاً من حدوث انكماش إضافي في القدرة الشرائية؛ إذ إن استنزاف جزء كبير من الدخل في خدمة الديون أو الوقوع في فخ الوقوف عن السداد يقلل من فرص تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.
أمام هذا الوضع التنازلي، تبرز الحاجة الماسة إلى حلول هيكلية تتجاوز المعالجة المحاسبتية للديون، وتتجه نحو:
إعادة جدولة القروض: تقديم صيغ تمويلية أكثر مرونة تراعي التغيرات في الدخل الفردي للأسر.
تعزيز التربية المالية: رفع مستوى الوعي بالالتزامات القرضية وتجنب الاستدانة المفرطة.
دعم القدرة الشرائية: استمرار البرامج الاجتماعية الموجهة للحد من تأثير الارتفاع المتواصل لكلفة المعيشة.
تبقى مسألة معالجة ديون الأسر المغربية أحد المظاهر البارزة للملف الاقتصادي الاجتماعي، محتاجة إلى تضافر جهود الفاعلين المصرفيين والسلطات الحكومية لصياغة توازنات تضمن استقرار الأسر وحماية المنظومة المالية الوطنية على حد سواء.


