في مشهد يعكس حجم التحولات والمخاوف التي يعيشها العالم، بدأت مجموعة من الدول، من بينها بريطانيا وألمانيا والسويد واليابان، تكثيف توجيهاتها الرسمية للمواطنين بشأن ضرورة الاستعداد لمواجهة حالات الطوارئ، من خلال الاحتفاظ بمخزون منزلي من المواد الغذائية ومياه الشرب والأدوية والاحتياجات الأساسية، تحسباً لاحتمالات انقطاع الخدمات أو تعطل سلاسل الإمداد أو وقوع كوارث وأزمات قد تؤثر على الحياة اليومية.
وتثير هذه التوصيات تساؤلات متزايدة حول طبيعة المرحلة التي يدخلها العالم، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والعسكرية، واتساع رقعة المخاوف من اندلاع مواجهات دولية قد تكون لها انعكاسات اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود الدول المعنية، وفي مقدمتها احتمالات اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما قد يترتب عنها من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة والملاحة الدولية.
ففي بريطانيا، دعت السلطات المواطنين، ضمن حملة التوعية المعروفة باسم “Be Ready”، إلى الاحتفاظ باحتياجات أساسية تكفي لمدة 72 ساعة على الأقل، تشمل المواد الغذائية ومياه الشرب والأدوية الضرورية ومستلزمات الإنارة والاتصال، وذلك استعداداً لاحتمالات الطوارئ التي قد تؤدي إلى تعطل بعض الخدمات. وفي ألمانيا، تتضمن إرشادات الحماية المدنية توصيات بالاحتفاظ بمخزون منزلي من الغذاء والماء يكفي لمدة تصل إلى عشرة أيام، بينما تشجع السلطات السويدية المواطنين على الاستعداد للاعتماد على أنفسهم لمدة أسبوع على الأقل، من خلال توفير المؤونة والاحتياجات الضرورية تحسباً للأزمات المحتملة. أما اليابان، التي تمتلك تجربة طويلة مع الزلازل والكوارث الطبيعية، فتوصي بدورها بالاحتفاظ بمخزون من المواد الغذائية والمياه يكفي لثلاثة أيام على الأقل، مع تفضيل توفير احتياجات تمتد إلى أسبوع.
ولا تقتصر هذه الاستعدادات على المواد الغذائية والمياه، بل تشمل أيضاً جوانب أخرى لا تقل أهمية، تتعلق باستمرارية الخدمات البنكية والاتصالات والإنترنت وأنظمة الأداء الإلكتروني. ففي عالم أصبحت فيه المعاملات اليومية مرتبطة بشكل كبير بالتطبيقات المصرفية والبطاقات البنكية والشبكات الرقمية، يمكن لأي عطل تقني واسع النطاق أو هجوم سيبراني أن يتسبب في اضطرابات تمس الحياة اليومية للأفراد والمؤسسات. ولهذا تتجه بعض الدول إلى توعية مواطنيها بضرورة الاحتفاظ بوسائل دفع بديلة، بما فيها السيولة النقدية، وتوفير وسائل اتصال احتياطية ومستلزمات أساسية يمكن استخدامها في حال انقطاع الكهرباء أو تعطل الشبكات.
وتكتسب هذه التوصيات أهمية إضافية في ظل التوترات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط، حيث إن أي توسع للمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران قد تكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي، خصوصاً إذا تأثرت حركة الملاحة في مضيق هرمز أو تعرضت إمدادات النفط والغاز لاضطرابات جديدة. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والشحن قد ينعكس على أسعار المواد الغذائية والمنتجات الأساسية، ويزيد الضغوط الاقتصادية على العديد من الدول، بما فيها الدول التي لا تشارك مباشرة في أي مواجهة عسكرية.
وأمام هذه المؤشرات، يبرز سؤال مهم بالنسبة للمغرب: هل نحن مستعدون لمواجهة سيناريوهات مماثلة؟ وإلى أي حد تمتلك الأسر المغربية والمؤسسات المعنية خططاً عملية للتعامل مع حالات الطوارئ التي قد تؤثر على توفر المواد الأساسية أو استمرارية الخدمات؟
فالمغرب، باعتباره جزءاً من الاقتصاد العالمي، ليس بمنأى عن تداعيات الأزمات الدولية، سواء تعلق الأمر بارتفاع أسعار المحروقات أو اضطراب سلاسل التوريد أو زيادة تكاليف الاستيراد والنقل. وهو ما يجعل تعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي والرقمي من الأولويات التي تستحق اهتماماً متزايداً، إلى جانب ترسيخ ثقافة الاستعداد والوقاية لدى المواطنين.
وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بدعوة المغاربة إلى التخزين المفرط أو التهافت على الأسواق، وإنما باتخاذ تدابير احترازية بسيطة ومعقولة، من قبيل الاحتفاظ بكميات مناسبة من المواد الغذائية الأساسية والمياه والأدوية الضرورية، وتوفير مصباح يدوي وبطاريات وشاحن احتياطي للهاتف، إلى جانب الاحتفاظ بمبلغ نقدي معقول تحسباً لأي اضطراب مؤقت في وسائل الأداء الإلكتروني، مع الحرص على متابعة المعلومات الصادرة عن السلطات والمؤسسات الرسمية.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز جاهزية المؤسسات الوطنية، خصوصاً في ما يتعلق بضمان استمرارية التموين بالمواد الأساسية، وحماية البنيات التحتية الرقمية والمصرفية، وتأمين خدمات الماء والكهرباء والاتصالات، ووضع خطط واضحة للتعامل مع مختلف السيناريوهات الاستثنائية.
إن دعوة حكومات دول متقدمة لمواطنيها إلى الاستعداد لاحتمالات الطوارئ لا تعني بالضرورة أن حرباً عالمية أصبحت وشيكة، أو أن كارثة كبرى على الأبواب، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن العالم أصبح أكثر عرضة للأزمات المتداخلة، وأن الاستقرار الذي اعتادت عليه المجتمعات قد يتأثر في أي لحظة بعوامل عسكرية أو اقتصادية أو طبيعية أو تكنولوجية.
وبين مخاوف اتساع الصراعات العسكرية، واحتمالات اضطراب الاقتصاد العالمي، ومخاطر الهجمات السيبرانية وانقطاع الخدمات، يجد العالم نفسه أمام مرحلة تفرض إعادة التفكير في مفهوم الأمن والاستعداد للمستقبل. فهل نحن أمام مجرد إجراءات احترازية تفرضها طبيعة المخاطر الجديدة، أم أن الحكومات تستعد لمرحلة دولية أكثر صعوبة وتعقيداً؟
في جميع الأحوال، تبقى الرسالة الأساسية واضحة: لا داعي للهلع أو نشر الخوف، لكن الاستعداد والوعي والتخطيط المسبق أصبحت أموراً ضرورية. فالأزمات لا تعلن دائماً عن موعد وصولها، والقدرة على مواجهتها تبدأ من استعداد الدول والمؤسسات، ولا تنتهي عند وعي كل أسرة بمسؤوليتها في حماية نفسها وضمان احتياجاتها الأساسية.


